أيام في ألمانيا

م�مد بن موسى الشريف

ومما رأيته في ألمانيا أنه ليس للمسلمين مؤتمر جامع مثل ما للمسلمين في فرنسا، وأن كل مسجد إنما هو مركز إسلامي مستقل. بل إنه وعلى الرغم من أن للمسلمين مجلساً إسلامياً أعلى يضم أهل السنة والشيعة، فإن كلمة المسلمين في الجملة ضعيفة، ودين الإسلام غير معترف به
في الوقت الذي تحكم فيه ألمانيا المستشارة “ميركل” وهي يمينية متعصبة ضد الإسلام وتجهر بهذا، و”ألمانيا” هي أقوى بلاد أوروبا مع “فرنسا” و”بريطانيا”، ولها كلمة مسموعة في الاتحاد الأوروبي؛ لذلك من المهم أن تكون أوضاع المسلمين فيها حسنة، وأحوالهم مستقرة.

رحلة مونستر

وقد دُعيت هذا العام للحديث في مؤتمر مسجد مدينة “مونستر” السنوي، وهي مدينة ذات طابع ديني نصراني واضح، ففيها الكثير من الكنائس القديمة، حيث تضم كنيسة أسست سنة 972م، وأخرى سنة 1170م.
وقد لفت نظري تلك الأقفاص الثلاثة المعلقة فوق الكنيسة الثانية، غير أن باحثاً مصرياً يعد رسالة الدكتوراه في علم المصريات كان يرافقني في جولتي، أخبرني أن المدينة كانت تحت سيطرة الكثالكة حتى جاء اثنان من رجال الدين فأقنعا أهل المدينة ببطلان (التعميد) الذي يعمّده النصارى أولادهم؛ لأنهم إنما يكونون صغاراً آنذاك، وينبغي أن يأتي الناس إليهما وهم كبار ليعلنوا نصرانيتهم، فأخذ الناس بقولهما حتى أرسلت الكنيسة جيشاً اقتحم المدينة، وأخذ هذين الرجلين مع ثالث وأعدمهم بعد تعذيب شديد، ووضعوا في هذه الأقفاص الثلاثة وعلقوا في موضع عال من الكنيسة يشاهدهم الناس حتى يعتبروا بمآلهم ويتعظوا بمصيرهم، فيما عاد التعميد إلى المدينة مرة أخرى.
وقد دخلت كلتا الكنيستين ورأيت المعلوم من ضلالهم، والمعهود من خرافاتهم، وآلات الموسيقى الضخمة في هاتين الكنيستين تشهد بأن القوم لا قواعد عقلية صحيحة عندهم؛ وإنما هي العاطفة يستولون بها على القلوب، ودع عنك الصور والتماثيل التي تمتلئ بها الكنيستان، وصور الصلب المزعوم، والفداء المشؤوم، وأخبرني مرافقي بأن الأشخاص الذين كانوا بجوارنا في الكنيسة هم من السائحين فأكثر أهل البلد عن الكنائس منصرفون، وبدينهم كافرون، وبالله شاكّون ملحدون، كما أخبرني أن هاتين الكنيستين قد دمر أكثرهما في الحرب العالمية؛ إلا أنهما رممتا.
كما ذهبنا إلى المكان الذي عقدت فيه اتفاقيتان مهمتان اتفاقية بين الكاثوليك والبروتستانت لإيقاف القتال بينهما الذي دام ثلاثين عاماً، وأخرى بين إسبانيا وهولندا لإيقاف حرب الثمانين سنة، وقد عقد الاتفاق في سنة 1648م وقد خلدت القاعة التي عقد فيها الاتفاق، وأبرز فيها صور ملوك أوروبا الذين حضروا هاتين المعاهدتين، كما زارها ملوك أوروبا ورؤساؤها سنة 1998 للذكرى.

حضور قليل

ثم ذهبت لمؤتمر إسلامي في مونستر فهالني قلة العدد؛ إذ لم يبلغ عدد المشاركين مائة شخص على الرغم من أن عدد المسلمين في المدينة ثلاثة آلاف وهذه علة المؤتمرات في كثير من البلدان الأوروبية، والتي تحدثت عن أسبابها باستفاضة في حلقات “أيام في إيطاليا”، و”أيام في مرسيليا” وغيرها، وعلى عادتي في الحديث مع رؤساء المراكز الإسلامية، فإني تحدثت معهم حول هذه المسألة، وذكرت لهم طرائق ووسائل يجذبون بها الناس.
كما زرت مسجد مدينة مونستر، وخطبت فيه الجمعة، وحضرت حلقة المساء وتحدثت فيها عن أمرين لا أمَلُّ من ذكرهما أينما حللت في أوروبا وهما وجوب بناء مدارس إسلامية نحافظ فيها على إيمان الجيل الجديد وثقافته وهويته، ووجوب العناية باللغة العربية؛ لأنها لغة القرآن وحديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهي الأداة لفهم الإسلام الفهم الجيد والاستجابة لأوامره والانزجار عن نواهيه، وبها يهيم المرء ويتلذذ بتراكيبها العجيبة وجزالة ورصانة أساليبها، خاصة ما ورد منها في القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد أحزنني أني رأيت بعض أبناء الحاضرين لا يفهمون العربية.

رحلة هامبورج

ثم إن الإخوة في هامبورج ألحّوا على حضوري إليهم وإلقاء محاضرة في مسجدهم، فجئتهم، ومدينتهم تبعد عن مونستر ثلاث ساعات بالسيارة، فإذا بهم قد تواعدوا واجتمعوا في مسجدهم وعلى رأسهم فضيلة شيخهم “سمير الرجب” اللبناني الذي تجشم مشاق إحضاري من مونستر مع اثنين من الشباب، وتحدثت في المسجد عن أهمية أن يكون المرء إيجابياً يشعر بهموم المسلمين، عاملاً على إنجاح مشاريعهم، مشاركاً لهم في أعمالهم، وضربت لهم مثلاً بالمسجد الذي كنا مجتمعين فيه، وأنه مرآب للسيارات تحت الأرض، وهذا لا يليق بمسجد المدينة الوحيد، وأنه ينبغي عليهم التكاتف والتآزر، مستشهداً بالدكتور الفاضل “عبد الرحمن السميط” حفظه الله الذي بنى في إفريقيا خمسة آلاف مسجد، وقلت لهم إن طريقكم إلى ابتداء الأعمال العظيمة إنما هو إحسان الصلة بالله تعالى الذي يسهل الصعاب ويذلل العقبات، ثم وضع الهدف العظيم، وأن يكون ذلك مصحوباً بالهمة العالية، وأتيت لهم بأدلة، وضربت لهم الأمثال، فما فرغت إلا وقد عاهدوني على العمل والاجتهاد، وهم قرابة ألف بين رجال ونساء، ثم أجبت على بعض أسئلتهم وخرجت من المسجد محاطاً بعواطفهم وجميل مشاعرهم.
وقد عجبت عندما أخبرني بعض الإخوة أن في المدينة طوائف مختلفة من شيعة وخوارج لكن العجب أخذ مني كل مأخذ عندما أخبروني بوجود طائفة سمت نفسها بالمرجئة، وأخرى سمت نفسها بالمعتزلة وهناك كذلك الأحباش وغيرهم وهذا مما لم يخطر لي على بال.
ولما كنت في مونستر حدثني أحد المشايخ من “بلجيكا” بحكاية ذات دلالات مهمة، وخلاصتها أنه كان يقيم في مدينة بلجيكية على ساحل البحر ويسكنها الأغنياء، وأراد أن يبني فيها مسجداً؛ لكن من أين له هذا وقلة ذات اليد سمة له ولإخوانه، فدُلّ على قسيس في البلدة هو أكبر قسيس في بلجيكا وكنيسته ذات مال وفير، فدعاه الشيخ المسلم إلى وليمة فحضر القسيس، وكان ذكياً فسأل الشيخ بعد نقاش بينهما أنت تريد بناء مسجد في هذه المدينة؟ فقال له نعم، فقال القسيس وقد جئت بي حتى أساعدك؟ فرد الشيخ نعم، فأخبره القسيس بأنه أعجب بطريقة تفكيره وحواره وأنه سيساعده في بناء المسجد؛ إلا أن معه أربعة آخرين من القساوسة هم مشرفون على إدارة الكنيسة وأملاكها وأن واحداً من الأربعة فقط سيؤيده في بناء مسجد للمسلمين؛ فعليه أن يصبر حتى يستميل البقية، وفعلاً استطاع القسيس أن يستميل ثلاثة، وبقي أشدهم تعصباً رافضاً للأمر، وهنا طلب القسيس من الشيخ أن يعقد مؤتمراً يدعو إليه محافظ المدينة الذي سيحضر إن حضر القسيس، غير أن النازيين لما علموا بهذا المؤتمر حاولوا إفساده بكل الطرق حتى أنهم يوم المؤتمر رموا المبنى بالحجارة، ودخلت طائفة منهم المبنى وظلت تضرب المناضد بقوة فتدخلت الشرطة وأبعدتهم وأقيم المؤتمر، وتحدث الشيخ والقسيس والمحافظ، وأعلن القسيس والمحافظ أنهما يدعمان بناء المسجد، وسيعملان على إقامته بكل الوسائل، وتحدث الشيخ عن التعايش بين المسلمين وغيرهم وكان مؤتمراً طيباً وله نتائج جيدة، وهذا يدلنا على أهمية تقوية الصلات بين المسلمين وغيرهم في البلاد غير الإسلامية، وأن حسن العلاقات بما يوافق الشرع المطهر ضمان إن شاء الله تعالى لسلامة المسلمين ونجاح الكثير من مشروعاتهم، مصداقا لقول الرسول [ “إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر”.
وختاماً، فإني متألم لحال المسلمين في ألمانيا فهم قرابة ثلاثة ملايين، ومع ذلك لا أثر لهم واضحاً ولا عمل لهم بارزاً، بينما لا يصل اليهود لعشر هذا العدد ولهم التأثير الكبير والعمل المؤثر فكيف هذا؟ إنه ينبغي على رؤساء المسلمين وقادتهم وذوي الوجاهة منهم أن يجتمعوا اجتماعات متتالية جادة؛ لينظروا في أمرهم ويخرجوا من ضعفهم واختلافهم.>

Einen Kommentar schreiben